16 - 02 - 2026

رشقة أفكار | حلم نبيل في "الشبراوين".. يخلد ثورة ٢٥ يناير المجيدة!

رشقة أفكار | حلم نبيل في

كنت هناك (مع نقيب الصحفيين وحشد كبير من زملاء المهنة ) في هذا اليوم التاريخي، الذي تتردد فيه بفخر وحرية آخر النسمات الثورية الباقية من اجواء وملامح ثورة ٢٥ يناير.. ذهبت ورجوت أن تمتليء الارجاء كلها بروح وعطر الثورة الينايرية العظيمة! ذهبت للاحتفال مع محمد  الجارحي وأبناء قرية الشبراوين.. شركاء حلم مستشفي  25 يناير، بافتتاحها المهيب امس ١٤ فبراير ٢٠٢٦.. ماكان ممكنا أن أفوِّت لحظة كهذه، وأنا الذي كان أول مافعلته عند عودتي النهائية من الكويت أن أزور المستشفي. كان ذلك  في عام ٢٠١٨ وكانت ماتزال قيد الإنشاء. قدت  سيارتي ترافقني زميلتي الكاتبة القديرة بالأهرام دينا توفيق، ومنسقة الأعمال وقتها بالمستشفي هدي توفيق، وقضينا هناك يوما كان بداية الحلم الذي رأيته يكتمل اليوم .. هو آخر ماتبقى لنا من أحلام في ثورة يناير. فالمستشفي هو  الصرح الوحيد الذي يحمل إسم الثورة الينايرية، ويالها من مفارقة عجيبة!

جهود ضخمة بذلت من اجل تحقيق الحلم، وكان اكثر ماهزني هو حجم التبرعات التي انهالت على المستشفى، ثقة في زميلنا الجارحي، والحوائط  والجدران تشهد على ذلك، وأيضا نبل التوجه، فأنت  لاتجد معلما آو صرحا في مصر - غير نقابة الصحفيين - يحتفي بالحسيني أبو ضيف ومحمد أبو الغيط وأنيسة  حسونة وهبة خفاجى ومحمد يسري سلامة وغيرهم من اشرف وأنبل أبناء مصر.

أمس لم اقد سيارتي إلى الشبراوين، وانما قررت الاستئناس بصحبة زملائي: نقيب الصحفيين خالد البلشي، والنقيب يحيي قلاش، ووكيل النقابة للشئون المالية هشام يونس ومقررة لجنة الحريات إيمان عوف وصديقي الكاتب الصحفي مجدي شندي رئيس تحرير المشهد.. وحشد آخر من الزملاء . تبددت قبل أن نبدأ الرحلة كل معاناة الطريق الطويل ، فأجواء كهذه يحفها الخير والنضال والأمل والوفاء، تبدد كل وحشة.. لقد فكرت أن اكتب تقريرّا عن الافتتاح، ولكني عندما انصتت لكلمة محمد الجارحي مؤسس المستشفي وجدتها بليغة معبرة.. وجامعة:

"لما اتجوزت، من ١٧ سنة معملتش فرح، ولا رحت قاعة ولا عندي صور وسط  الحبايب والمعازيم، لأن خالي "سليم" كان توفي قبل فرحي.. النهاردة هو فرحي..أسعد يوم في حياتي.. في أكبر قاعة، ووسط أجدع وأجمل معازيم، بينكم ياسند الخير.. سعيد  بهذا الحضور الذي لم أره من قبل"

- بهذه الكلمات الدافئة تحدث الصحفي مؤسس مستشفي ٢٥يناير محمد الجارحي، في حفل افتتاح المستشفي.. الحلم النبيل الذي رجونا له أن يولد من رحم الألم والمعاناة، ليكون الأثر والصرح الوحيد الباقي من ثورة يناير .. التى جرى تشويهها وذبحها بشتى السبل ..كي لا تتكرر !

يضيف الجارحي :، ونحن نقف هنا، لا أرى أمامي جدران قاعة أو خلفي شاشة، بل أرى أرواحاً، وذكريات، ومعارك، وانتصارات.. أقف أمامكم اليوم لا بصفتي مؤسسًا، بل بصفتي إنسانًا".

"..أقولها بملء اليقين: لولا ثورة 25 يناير، ما كنت لأمتلك الجرأة على أن أحلم بهذا الحلم، ولا كنت لأتعلم أن الحلم مسؤولية. بعد الـ 18 يوم (من الصمود الثوري  في الميدان).

ويكشف الجارحي بدايات الحلم العظيم (ثورة الشبراوين التي ولدت من رحم الثورة متمثلة في إنشاء مستشفي ٢٥يناير فيقول : في فبراير 2011، عدت من ميدان التحرير إلى قريتي، وبعد أسبوع واحد فقط من التنحي، كانت الشبراوين من أوائل القرى التي احتفلت بالثورة. يومها لم نرفع لافتات نصر أو فرح فقط، بل رفعنا عهداً:  إيد في إيد نبني بلدنا من جديد.. قلنا: إذا كانت الثورة قد حرّرت الإرادة، فعلينا أن نحرّر الواقع.

- وبصوت يسكنه الألم  يواصل الجارحي كلماته :"وبعدما تبدلت الأحوال وجرى تشويه الحلم والتجربة، اقترح البعض أن نغير الاسم، فتمسّكنا به. لأن الأمم التي تخجل من أحلامها، تموت واقفة"!

-  تحدث الجارحي عن المرض والموت والفقد، معاناة ابنه البكر مع المرض وعذاب البحث عن سرير رعاية.. وعن علاج.. الموت كان امتحاني الأكبر.. "احمد مات ..بكيت وحزنت وكان يمكن أن أنهار.. أن أستسلم. لكنني أدركت أن الألم إذا لم نحوله إلى رسالة، تحوّل إلى هزيمة"!

بعد أسبوعين فقط، وفي يوم 11/11/2011، يوم ميلاد أحمد، كان مقررًا أن نفتتح عيادة واحدة في مقر الجمعية القديم، لكن يتغير القدر في 48 ساعة وافتتحنا مركزًا طبيًا بسيطًا في شقة متواضعة.. تسعة أطباء، وأجهزة قليلة، وحلم كبير. نشرت صور المركز واحتياجاته على تويتر، فجاء أول تبرع بجهاز سونار .

من هنا، وُلدت فكرة "تاكسي الخير". كنت أنشر مكان تواجدي عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأترك رقم هاتفي، وأحمل دفتر إيصالات مختومة من وزارة التضامن، وأنتظر الناس أو أذهب إليهم.. من مصر الجديدة إلى المعادي ومن وسط البلد إلى الرحاب، ومن أكتوبر إلى شبرا ومن الأسكندرية إلى بورسعيد. يجلس بيننا اليوم من شاركوني رحلات تاكسي الخير من أصدقائنا المخلصين (أشار الجارحي إلى الإعلامي شريف عامر الذي سانده في رحلات التاكسي.. ودعم برامج الزملاء محمود سعد وجابر القرموطي وغيرهم)، من زملائي وأساتذتي الصحفيين والإعلاميين.. شكرًا لكم .

الكلام مازال للجارحي: هكذا جمعنا ثمن أرض المستشفى، من تاكسي الخير، (في يدي حتى اليوم هذه السرة من القروش، طالب جمع من مصروفه 10 قروش وربع جنيه) اشترينا الأرض .. عندما حاولنا شراء ارض الجمعية ظهر أعداء النجاح. ظن البعض انهم  وأدوا الحلم، لكنني اليوم لا بد أن أشكرهم،لأننا  نفتتح صرحًا قابل للتوسعات بل توسعنا بالفعل ووضعنا أساسات المبنى الجديد المجاور لهذه القاعة.

لم يكن أعداء النجاح فقط هم من حاولوا وأد الحلم - يحكي الجارحي :"الرحلة كانت شاقة.. البلد خارج من ثورة، واضطرابات، واقتصاد غير مستقر، وتعويم ورا تعويم، وكورونا، وارتفاع في الأسعار، وحملات مسعورة ولجان مأجورة. واجهنا أزمات تكسر الجبال؛ بنك يرفض فتح حساب، وكيل وزارة يرفض الترخيص لنا، واجهنا أزمة في تعلية ادوار  المستشفى، استدعت تدخل رئاسة الجمهورية لحلها". ثم كانت، قطمة الظهر الكبرى، أوذيت في أعز الناس، أخي، وتحملت، وصبرت 5 سنين عجاف. كنت أضعف أحيانًا لكن كنت أرفع راية واحدة: "لن أيأس". وكل من  انتقدوني أو هاجموني، أو شككوا في الحلم.. أقول لهم: أشكركم..لأنكم كنتم الوقود  الذي زادني حماسا وعنادا لأكمل حتى وقف مستشفى 25 يناير شاهدًا لا على جهد فرد، ولا مجموعة أفراد، بل على إرادة مجتمع وإخلاص الآلاف ودعم الملايين"

- الجارحي يهدى هذا النجاح "إلى روح ابني أحمد، وإلى أسرتي التي تحملت سنوات القلق والتعب.. إلى بناتي مريم وسلمى.. إلى أهل قريتي الشبراوين الذين كانوا السند الأول. كان نفسي شخص واحد يكون معايا النهاردة.. جدي "عبد العال الصعيدي"، الفلاح البسيط الذي علّمني أن الأرض لا تعطي إلا لمن يعطيها من عرقه.. والأحلام أيضًا مثل الأرض، لا تعطي إلا من يرويها من جهده وعزمه واصراره وصبره"

- مثلما تسمع في كلمة الجارحي أسماء شخصيات مثل  محمد يسري سلامة ومحمد أبو الغيط وحازم دياب والحسيني أبو ضيف، وهبة خفاجي، ومندورة نجيب وأنيسة حسونة" إلى آخره.. فإنك تجد اسماءهم منثورة كبارات حب ووفاء تزين حوائط المستشفي، عرفانا ومحبة لكل من كانت ثورة يناير حلمه وكل من رآي في ثورة الشبراوين وهي تنسج من الثورة الأم مستشفي ٢٥يناير استمرارا للحلم يجب آن يكتمل مهما كان الأمر!

- الجارحي في كلمته - التي احتشد لسماعها جمع غفير جاءوا من كل حدب وصوب - للمشاركة في الاحتفاء بميلاد الحلم وتحوله إلى حقيقة زفّ إلينا خبرًا عن وضع أساسات لتوسعات جديدة .."حلمي إن كل المنطقة حول المستشفى تضم اليها" .

- النقابي البارز وكيل نقابة الصحفيين لشؤون الرعاية الصحية محمد الجارحي قال وهو يختتم كلمته: لا نفتتح مستشفى فحسب، بل نعلن أن الأمل يمكن أن يُبنى حجرًا فوق حجر. نعلن أن الثورة ليست ذكرى، بل ممارسة يومية في خدمة الناس. نعلن أن الصحافة ليست مهنة فقط، بل رسالة، وأن الكلمة إذا اقترنت بالفعل صنعت واقعًا.. فشكرا لكل أساتذتي وزملائي الصحفيين الذين شرفوني والسادة النقباء وأعضاء مجلس النقابة، ومن ساندوا حلم مستشفى 25 يناير لسنوات.
-----------------------------
بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | حلم نبيل في